
تاريخ التناقض في السياسة السودانية طويل، و لكن يهمنا منه ما بدأ مع ثورة الإنقاذ التي أوصلت الإخوان المسلمين إلى الحكم عام 1989م، و الغاية من إضاءة هذا التناقض الوصول إلى فهم دقيق للسياسة السودانية والتي تتناول اليوم شأناً هاماً كدارفور. لقد شهدت ثورة الإنقاذ في عمرها القصير نسبياً مع عمر الثورات العربية التي استدامت هي الأخرى في مواقع السلطة و الرياسة، علامات و أعراض عديدة لمرض التناقض الذي أصيبت به السياسة السودانية، بدأ بحال كثير من الإسلاميين إذ يكثرون من الحديث عن الوصول إلى السلطة دون أخذ الإعتبار لما بعد وصولهم إليها، فوقعت التجربة الإسلامية في تناقض المثال/الرسالة و التطبيق/السياسة، فبعد أن ثارت على الحكم الشيوعي اضطرت لنقص كوادرها و خبراءها لئن تبقي على عديد من رجالات العهد القديم الشيوعي، وزراء و رجال دولة، و إن موه التناقض بتوضأ هؤلاء بماء ثورة الإنقاذ.. نفاقاً، و لقد كان من شأن هذا أن يؤثر على نهج السياسة سلباً فباتت واحدة رغم تغيير بعض الشكليات و الوجوه.
لم يفارق التناقض حال التجربة الإسلامية الحاكمة، فبدأ توجه القيادات و على رأس عرابها الترابي نحو إعادة النظر في كثير من أعمدة الفكرة الإخوانية، فكان أن عطل دور التربية في تنظيم الإخوان و حلت مجالس الأسر، و استبدل ذلك بتوجه نحو الساحة السياسية، حيث استمد أبناء الحركة هناك مغذياتهم من أفكار مرزؤة بالمتناقضات كان يطلقها حسن الترابي الذي تأثر جداً بمناهج العقلانية في قراءاته الدينية و السياسية مع خلط كبير فيهما.
ثم لم يلبث التنظيم أن مني بضربة الإنشقاق التي قصمت ظهره، فكان إنشقاق حسن الترابي و خروجه من عباءة المؤتمر الوطني إلى آخر سماه بالمؤتمر الشعبي، و خرجت معه شخصيات قيادية و كفاءات سياسية عديدة، و كانت السجالات بين الفريقين التي لم تنتهي حتى الآن و التي أظهرت تناقض السياسة السودانية مع النتائج التي أنهت بها فصلاً طويلاً من صراعها في الجنوب، فبعد أن كان يتم إعتقال قادة المؤتمر الشعبي و حزب الأمة بدعوى التآمر و الإتصال بالجهات المعادية (جيش التحرير الشعبي) قامت السياسة السودانية بمناقضة موقفها الرافض آنئذ بآخر يبدو أنه لا يرفض أي شيء، فأنهيت حقبة الصراع الطويل بنتائج خيبت كثيراً من الآمال التي تحسر أصحابها على جدوى الحرب التي خاضوها مع النتائج التي انتهت بها.
و مع ذلك، لم يكن التناقض السياسي حبيس ال المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ