عبادة يستغربها العصر الحديث

تشرين الأول 7th, 2006 كتبها عمار الغريب نشر في , مختارات

من كتاب علل أدوية للشيخ محمد الغزالي

أظن الحضارة الحديثة تكره الصوم و تنكر فلسفته، فهي ـ بشقيها الغربي و الشرقي ـ تعبد الجسد، و تلبي رغباته، و تستغرب اعتراضها في انتهاب ملذاتها. ثم هي لا تمد البصر إلى أبعد من هذه الحياة الدنيا، فما بعد الموت وهم لا مساغ لتصديقه و لا للإعداد له، و يعني ذلك إشباع النهمة إلى هذه الحياة العاجلة، و انتهاز الفرصة الموجودة هنا لكي ننال كل شيء، إذ لا شيء بعد.

و قد صور القرآن الكريم هذا الإحساس المادي المغرق بقوله: ( فذرهم يأكلوا، و يتمتعوا، و يلههم الأمل، فسوف يعلمون). و التشبع من الحياة قبل أن ننتهي و ينتهي معها الوجود كله هو تفكير الجاحدين للإلوهية، المستبعدين لليوم الآخر، المعولين على أعمارهم فوق هذا التراب وحده. و ربما كان ذلك مسلكاً شاذاً أو نادراً بين الأقدمين، و لكنه الآن مسلك شائع بين جماهير من الضائقين للأديان سقيمها و سليمها. و هؤلاء يقيناً هم المعنيون بقوله سبحانه: (و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام، و النار مثوى لهم).

إن أحداً من هؤلاء لا يفرط في تناول طعامه، بل لا يفرط في تناول سيجارته من أجل ثواب يتخيل، إنه عبد يومه و حسب. و قد تتساءل: كيف يوصف أولئك " المثقفون" بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام مع أنهم يحسنون التفكير و الإنتاج؟ و الجواب أن الأكل عند هؤلاء مصدر الطاقة اللازمة للبدن و الرفاهة المطلوبة للحياة فهو غاية تقصد لذاتها، و لا يقبل إرجاءها أو انتظار بديل عنها في عالم الغيب، إن المتعة في هذه الدار وحدها، و ذاك ما شرحته آيات أخرى: ( ذلكم بما كنتم تف

المزيد