فــي مــديـن ::...........  ......................................     ..........................................................

كيف تتمادى سياسة التناقض إلى أزمة دارفور؟

كتبهاعمار الغريب ، في 10 أيلول 2006 الساعة: 18:44 م

             
 

 

 

 

 

تاريخ التناقض في السياسة السودانية طويل، و لكن يهمنا منه ما بدأ مع ثورة الإنقاذ التي أوصلت الإخوان المسلمين إلى الحكم عام 1989م، و الغاية من إضاءة هذا التناقض الوصول إلى فهم دقيق للسياسة السودانية والتي تتناول اليوم شأناً هاماً كدارفور. لقد شهدت ثورة الإنقاذ في عمرها القصير نسبياً مع عمر الثورات العربية التي استدامت هي الأخرى في مواقع السلطة و الرياسة، علامات و أعراض عديدة لمرض التناقض الذي أصيبت به السياسة السودانية، بدأ بحال كثير من الإسلاميين إذ يكثرون من الحديث عن الوصول إلى السلطة دون أخذ الإعتبار لما بعد وصولهم إليها، فوقعت التجربة الإسلامية في تناقض المثال/الرسالة و التطبيق/السياسة، فبعد أن ثارت على الحكم الشيوعي اضطرت لنقص كوادرها و خبراءها لئن تبقي على عديد من رجالات العهد القديم الشيوعي، وزراء و رجال دولة، و إن موه التناقض بتوضأ هؤلاء بماء ثورة الإنقاذ.. نفاقاً، و لقد كان من شأن هذا أن يؤثر على نهج السياسة سلباً فباتت واحدة رغم تغيير بعض الشكليات و الوجوه.

لم يفارق التناقض حال التجربة الإسلامية الحاكمة، فبدأ توجه القيادات و على رأس عرابها الترابي نحو إعادة النظر في كثير من أعمدة الفكرة الإخوانية، فكان أن عطل دور التربية في تنظيم الإخوان و حلت مجالس الأسر، و استبدل ذلك بتوجه نحو الساحة السياسية، حيث استمد أبناء الحركة هناك مغذياتهم من أفكار مرزؤة بالمتناقضات كان يطلقها حسن الترابي الذي تأثر جداً بمناهج العقلانية في قراءاته الدينية و السياسية مع خلط كبير فيهما.

ثم لم يلبث التنظيم أن مني بضربة الإنشقاق التي قصمت ظهره، فكان إنشقاق حسن الترابي و خروجه من عباءة المؤتمر الوطني إلى آخر سماه بالمؤتمر الشعبي، و خرجت معه شخصيات قيادية و كفاءات سياسية عديدة، و كانت السجالات بين الفريقين التي لم تنتهي حتى الآن و التي أظهرت تناقض السياسة السودانية مع النتائج التي أنهت بها فصلاً طويلاً من صراعها في الجنوب، فبعد أن كان يتم إعتقال قادة المؤتمر الشعبي و حزب الأمة بدعوى التآمر و الإتصال بالجهات المعادية (جيش التحرير الشعبي) قامت السياسة السودانية بمناقضة موقفها الرافض آنئذ بآخر يبدو أنه لا يرفض أي شيء، فأنهيت حقبة الصراع الطويل بنتائج خيبت كثيراً من الآمال التي تحسر أصحابها على جدوى الحرب التي خاضوها مع النتائج التي انتهت بها.

و مع ذلك، لم يكن التناقض السياسي حبيس الداخل السوداني فقط، بل إنه شمل العلاقات التي تجمعه مع فصائل إسلامية أخرى، كحركة حماس التي أتيح لها في البدء ممارسة العمل السياسي في الأراضي السودانية، ثم لم تلبث السياسة ذاتها أن تنكص على عقبيها متراجعة و تقوم برفض هذا التواجد، مع أن حماس و الحكومة السودانية انبثقا من ذات المنبع الإخواني، أو هكذا يفترض.

مؤخراًَ، تشدق الساسة السودانيون برفض التدخل الأممي في دارفور و توعد البشير بمقاومة مماثلة لمقاومة حزب الله في الجنوب، و لكن هذه التصريحات تتناقض بالكلية عما تناقل من أخبار و شهود عيان بأن مطار العاصمة قد أتاح منفذاً خاصاً لهيئة الأمم، و أن تواجداً عسكرياًً أممياً لوحظ في أحد الأحياء السودانية. و لا غرابة في الخبر، بل إنه ينسجم مع السياسة العربية الجامعة إذ تدعونا لأن نسير معها في أفعالها الهوائية، التي لا يبقى منها و لا يذر أي إنطباع في الأفعال الأرضية، ثم إذا اقتضت الحاجة بانتهاء الرحلة الهوائية أذاع القبطان بضرورة الهبوط الإضطراري!.

في أزمة دافور، لم تتعجل الحكومة برأب الصدع بل تمادت إلى أبعد حد ممكن في إطالته ظناً منها أن جانبها سيغلب في نهاية المعركة، و لكن الأمر لم يكن كذلك كما هي شأن معظم السياسات العربية إذ لا تكون كما يراد لها أن تكون، لأنها تتعلق بأماني منقطعة عن متابعة المتغيرات الدولية و الإقليمية، فكان أن سمحت من تلك البقعة التي تساهلت بأمرها أن تكون مهداً لتوغل أمريكي آخر يستطيع فرض ما لم تستطع السياسة فرضه بتهديد ضغط هيئة الأمم، و من ثم بضغط السلاح.

إن تاريخاً طويلاً من تناقض السياسة السودانية، لا يمكن أن يمحى أثره و يعالج و لو بالصدمات الكهربائية كما هي حال أزمة دارفور، مع أنها كانت فرصة سانحة للم الشمل و توحيد الصفوف للإستعداد في مواجهة الأطماع الأمريكية، بل يكون أن يشاء الله استمرار هذا التناقض في معالجة الأزمة بخلق أزمة أخرى أشد ويلاً، ليكون ما بني على عمد مائل بنيان مائل.. آيل للسقوط حتماً، بفعل التناقض.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر