فــي مــديـن ::...........  ......................................     ..........................................................

الطائفية المحمودة

كتبهاعمار الغريب ، في 5 أيلول 2006 الساعة: 16:27 م

إن الذباب ذباب إذ هو إن ذُبّ آب، و الفكر فكر إذ به الأمر يُفرك، و السياسة سياسة إذ به كل الأمور تُساس/تُدار.. و كل ما سبق، يوضع في دائرة يرسمها من المركز فرجار الفكر فيحدد إطار دائرة، تتحرك في مساحتها السياسة، و يذب محيطها سياسة مارقة فتؤوب إلى المركز الفكري طالبة الصفح و الغفران، و محال أن تسوح الفكرة في مساحة الدائرة و إلا فإن حديث الفكرة، الذي لا يحتاج لكثير من التأويل بطبيعته، سيُشغل جهاز التدمير الذاتي لكل هذه البنية الهندسية.

و هب أن قاعة في كلية علوم شرعية قد تحولت بين ليلة و ضحاها، إلى قاعة يجري فيها إعلان موقف سياسي، و لكن أستاذ الشريعة الفاضل لم يعلم بحدوث الطفرة الجينية التي أصابت قاعة محاضراته الميمونة، عند ميلاد فجر ذاك اليوم، و أورثتها تشوهاً مشوباً بمظهر لطالما تعفف عنه حياءً، فيدخل الأستاذ و يجد مدرجات القاعة مليئة بالحضور، و يبدأ بإلقاء محاضرته عن: جهاد الكفار أهل النار بالحسام البتار.. فلا تلبث القاعة حتى تضج بهرج و مرج تتحين فرصته صحافة غربية، تبدأ بمراء الأستاذ إذ تحلب فكره قولاً تلو قول آخر، حتى لا يبقى للإعلان السياسي المنتظر أية مساحة مستحقة للإهتمام في عالم مسايسة نُقض بقول مكنون مؤكدٌ أن السياسي ـ شقيق الأستاذ ـ يحتفظ بنسخة أخرى عنه.. و ليرحم الله السياسة عندها!.

إن ما نعنيه بهذه الصورة، ليس فصلاً للدين عن الدنيا إن أراد البعض أن يقول، بل هو وضع للأمور في مقاديرها دون خلط أو خطأ، و لا يعني أبداً أن الفكرة ملغاة التداول في الإعلان السياسي إنما هي في الحقيقة مُشرّعة هذا الإعلان، فهو كما أسلفنا تحرك في مساحة دائرة الفكر حتى وجد هذه الزاوية المنفرجة أو تلك الحادة ليقف على رأس زاويتها أو ما بين قطريها.. و هو بكل الأحوال لا يزال ضمن المساحة الحلال.

بتوضيح أكثر، للفرق بين مجال الفكر و مجال السياسة، يمكننا أن نقسم العقل المتابع للأحداث إلى قسمين: عقل ذري/جزيئي، و عقل كلي/شمولي. إن العقل الذري يعنى بنظرات جزئية لأمور تقع ضمن نطاق جغرافي و مدى زمني محددان، فقد تكون النظرة على بقعة (أ) سلبية في حين أنها تكون إيجابية على البقعة (ب) المجاورة، مع تشابه الحال فيهما. بمعنى آخر، العقل الذري يعنى بالسياسة إذ يمكنه من أن يتخذ موقفاً سلبياً تجاه طرف سياسي آخر في بقعة، و في الآن نفسه يكون إيجابياً تجاه ذات الطرف في بقعة أخرى، و كل ذلك وفق ما يخدم مصالحه الخاصة، و لا يخرجه من محيط الدائرة الحلال، و من هنا تصف السياسة بالمرونة/الفاعلية/الكفاءة إن أجيد القيام بها.

أما العقل الكلي فهو معني بالفكرة/الإيمان الذي ينبغي أن يترسخ في فهم المرء، و هي تشكل امتداداً لمخزونات الدين و عِبَر التاريخ لكنها تتمادى في قناة الأحداث المعاصرة، و هو لا يرى هذه الأحداث بمنظار جزئي بل يجمع كل الأجزاء المنفصلة ليكون صورة متكاملة متصلة الأجزاء حيال أمور أجلّ من من الحوادث، غالباً ما ينحو المفكرون إلى وصفها بالهموم الكلية/القضايا الكبيرة. و لا شك أن صورة العقل الكلي ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن العقل الجزئي، لتعينه على تبصر حواجز بعيدة في الأفق، و تحثه على مسايسة حذرة مع عوامل إخطار، تمكن جهاز الرصد في العقل الكلي من رصدها هوامش على طرف الراهن السياسي، و لكن الحذر الأكبر الذي يجدر أن يتبع هو محاولة إخفاء صورة العقل الكلي عن الأطراف السياسية الأخرى، إذ يمكنها إن كشفت من توقع كل خطوة سياسية قد يقوم بها السياسي، و إن كان حذراً. محذورٌ آخر يجدر التنبه إليه مع صورة العقل الكلي، هو محاولة تخفيف أصباغ هذه الصورة على ما يحاول السياسي رسمه، لأنه و في حال زادت كثافة تلك الأصباغ سيحال الرسم السياسي تدريجياً إلى صورة العقل الكلي، و لك أن تتخيل على ضوء ما سبق كيف سيكون الرد عندما تتحدث هذه الصورة لوحدها؟!

في ظل عالم معقد شديد التداخل، كما هو عالم اليوم، يطرح في منطقتنا العربية إشكالية الطائفية بمفهومها الديني بين شيعة و سنة، في طرح لم يلاقي غير رجع الصدى بفضل فهم إسلامي قويم يُفضل إرجاء حل خلاف ديني ثانوي، بوجود قضية أولية واضحة تستدعي همة كل فرد يعلي كلمة الشهادة هي: قضية فلسطين، التي وجدت رديفة أخرى عراقية لتزيد على تأكيد مبدأ إرجاء حل الخلاف الديني الثانوي، إلى ما بعد هاتين القضيتين التي لا يختلف عاقلان على أهميتهما الواقعة في أول سلم الأولويات.

إن البعد العقدي لهذا الإشكالي، وفق نظرة العقل الذري، يجد بعداً آخر يحل محله في الموضع السياسي، دون أن يهمله في الموضع الفكري، هو البعد المنفعي/المصلحي.

بهذا البعد يمكن، من منظار عقل ذري، تفسير و تأويل كثير من جوانب هذه الإشكالية الطائفية، حيث يعزى فيها القياس إلى مفهوم المصلحة الإسلامية، و المروق عنه يعد مخالفة أنانية المنفعة، جرى قياسها أيضاً لدى بعض المراقبين المعتمدين لهذا الفهم السياسي/الفكري إلى مفهوم المواطنة، حيث يعد أي فعل مارق عن المصلحة الوطنية خيانة مستحق للعقاب. و إن كنت أفضل مفهوم المصلحة الإسلامية على المصلحة الوطنية إلا أن كلاهما يأول فعل الخيانة هنا إلى أنانية منفعية، و ليس إلى منابع عقدية، و أظن أن هذا الفهم سيكلفنا عناء الخوض الذي أردنا تجنبه في البداية، حين أردنا النأي بأنفسنا في خضم مواجهتنا لهموم كبيرة عن أن ننجر إلى خلافات ثانوية، لن تؤتي نتيجة تذكر على القضايا التي تهمنا بشكل أكبر.

كمثال، يمكن عد التحيز الشيعي في الحالة العراقية إلى أنانية منفعية فضلت مصلحتها الذاتية على المصلحة الوطنية/الإسلامية، و هذا التفسير يجد له كثيراً من الظواهر المؤيدة، ليس هذا محل ذكرها.

إن الطائفية، أو التقسيم تبعاً للطائفة، يمكن أن يعاد صياغتها وفق عقل ذري، إلى طائفية تقسم إلى ضد المصلحة الإسلامية و معها، و هي بذلك مساهمة بجدارة في سوق الساعين لحل إشكاليات همومنا الكبيرة، و هي بهذا الشكل تنعتق من رقاب تصنيف ديني إلى آخر شمولي يعم كل من يشارك المسلمين ديارهم، و يفترض به أن يشاركه همومهم. إنها تنعتق أيضاً من رقاب القطرية/الدولة الإقليمية التي ثبت فشل ثأثيرها إزاء قضايانا الكبيرة، كما أنها تضيف بعداً يكسب قضايانا زخم الحضور الجماهيري المؤيد و الفاعل.

وفق هذا التقسيم الطائفي الجديد، يمكن أن يوصم المارقين عن المصلحة الإسلامية بالأنانية المنفعية/الخيانة، و أيضاً وفقه تزيد المساحة الجغرافية الممنوحة للعاملين للمصلحة الإسلامية بعد أن انفكت من عقال القطرية/الطائفية الدينية، و اللتان كانتا من شأنيهما فيما مضى أن تحاصر توسعاً كهذا بعقال الأنانية القطرية و عقال تكلف بغير نتيجة في حال الطائفية الدينية. إن هذا الإتساع الجغرافي، تحلل المصلحة الإسلامية له القيام بما بالعمل المدروس و المؤدي إلى مَصابِّ تخدمها، و هكذا يأخذ الوطن الإسلامي المشتت إلى كم من البقاع الجغرافية المجزئة شكلاً من أشكال الوطن الواحد من جديد.

و كما هو الحال أيضاً في الوطن الإسلامي الواحد الأول، تكون المصلحة الإسلامية فيه هي العليا و الأولى، و تنسحب هذه الأولوية على الوطن الموحد الذي تجمعه وحدة العمل للمصلحة، و أي مصلحة تحاول أن تناهض أو تعارض هذه المصلحة فهي مصلحة مرفوضة، لأنها قد أخذت فرصاً كثيرة فيما سبق و فشلت بامتياز أن تحدث الأثر المرجو على قضايانا الكبيرة، كما أنها لا تخاطب بمفهوم أسمى من الذي تخاطب به هذه المصلحة الإسلامية، بل إنها غارقة في أنانية نفعية أدمنت النداء: أنا وحدودية، و لم تجد مع إدعاءها هذا مسمعاً لنداءات بحت بها الحناجر في أراضي القضايا الكبيرة إذ تنادي: يا وحدي!.

على أننا، و على ضوء ما سبق، نرى وفق منظار عقل ذري أن المصلحة الإسلامية تضع أولى قضاياها أولوية في الساحة الفلسطينية، فهي قضيتنا الأولى و الأكبر و الأهم على الإطلاق، و أي عمل يصب في خدمة هذه القضية هو عمل لأجل المصلحة الإسلامية، أياً كان مقدمه شيعياً/سنياً، كما أن أي عمل يصب في ضد خدمة هذه القضية هو عمل محابي للمصلحة الإسلامية، و صاحبه مستحق لكل وصف يليق بمروقه الدنيء، أياً كان القائم به شيعياً/سنياً.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكرية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر