فــي مــديـن ::...........  ......................................     ..........................................................

فرعون .. عندما أدلى بتفكير إيجابي !

كتبهاعمار الغريب ، في 5 أيلول 2006 الساعة: 16:19 م

                     

ذهب كليم الله موسى يبلغ فرعون مصر برسالة ربه، إلا أنه طغى و تكبر و قال: لا أريكم إلا ما رأى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. غير أن دعوة موسى كانت قد شرعت بالنيل من روح الفكرة الواهنة التي تعبأ بها أهل مصر، طوعاً و كرهاً، حتى كادت أن تهزّ ـ بل أنها فعلت ـ هالة عرش فرعون التي ادعاها لنفسه بكونه الإله.

إلهٌ سيماه كسيما سائر البشر، يتزواج و يأكل و يشرب كما يفعلون تماماً..

إنها هالة سرابية لن تصمد كثيراً في مواجهة فكرة الحقيقة القوية، لا سيما و هي تستمد قوة أكبر بالتدخل الإلهي في معجزات جرت على يدي موسى و أمامه. لكن، في خضم هذا التهديد الخطير لمكانة فرعون، نجده ينبغ كما يصور القرآن في صورة عقلانية تدعي الريادة، تتفق في معناها مع علوم العصر الحديثة بما يسميه أهل التنمية البشرية بـ: التفكير الإيجابي، فيقول لوزيره هامان:

 " يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب" ثم يزيد في تهويل المهمة التي يزمع القيام بها بتكرارها " أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا "ً.. إنه يمتلك عقلاً متفتحاً، إنه يبحث عن ما فيه الخير و الصلاح لقومه، لا يمانع بأن يسمع الفكرة و يجول في خبرها حتى و إن كان يخالفها.. و لكن حتى يفعل، فليبني له هامان و ملايين مصر صرحاً يبلغ به السماوات، فيطلع و يأتي بالخبر اليقين : إن كان ثمة إله كما يقول موسى أم لا ؟!

إني لأرى ملايين مصر تلك، و قد باعت عقلها دون ثمن، كأنعام ٌ سائبة تساق كيفما أراد فرعون و إلى أي مبتغى رجا. صورة قد يستغربها رجل يحيا في هذا العصر، كما فعل من قبل صحابة رسول الله و خلفهم عندما تتلى على أسماعهم أخبار فرعون و هو يحرك أمة بأكملها، دون أن يقول له أحد: لا، إن الصرح لن يبلغك شيئاً، ولن ينفعك عتوك على أمر يرضى به العقل كالذي جاء به موسى من أن تطيل أمد كذبتك الواهية في عقولنا، لا لن تكون إلهاً بعد اليوم فأنت بشر مثلنا، فإلهنا هو من أجرى الحية تسعى و تلقف ما ألقى السحرة، و هو من جعل يد موسى تخرج من جيبه كما لم تدخل،

اذهب و خاطب عقول الحمير إن كانت تعقل علك تجد ما يدعوك بالإله، و لن تفعل!
إلا أن كل ذلك لم يكن، بل رأينا في معرض تصوير القرآن لما جرى، فرعون يدعو قومه إلى محاربة المؤمنين محفزاً إياهم بقوله : إنهم شرذمة قليلون، شرذمة عدها بعض المحققون بستمائة ألف و لك أن تضرب في عقلك ذلك الرقم الذي يقف خلف فرعون و يمنحه القوة فيما قال، فيمضون خلف موسى و أتباعه حتى إذا بلغوا موضع انفراج البحر، فما يمنع فرعون أن يرى جبلين من الماء يخليان طريقاً يبساً أمام موسى وصحبه، بل يمضي خلفهم في المجهول دون أن يسمع صوتاً من قومه يقول له: إنه الغرق يا أيها الفرعون. في قصة لو تليت على الأطفال و ضعاف العقل لهالهم هذا الغباء الذي يدفع بصاحبه إلى وسط البحر، و لهالهم أكثر غباء أمة عريضة سارت خلفه دون أن تأبه بنفسها.. و لكن كيف تأبه، و هي من باعت عقلها كما ذكرنا؟!

إنه التفكير النفاقي الإيجابي، الذي أودى بقوم فرعون إلى هذه المساحة من البحر فابتلعتهم دون أن تترك لهم أثراً ، انتحار أخلى مصر من غالبية السادة الرجال كما يحقق ابن كثير في تفسيره لهذه الآية، و لكنه لم يكن انتحاراً في مجة البحر في حقيقته بل كان قبل ذلك بكثير، في وسط لم تتلاطم به أمواج البحر بل أمواج الضلالة العمياء التي ألقت بصاحبها في أتون مسرحية بهيمية يديرها الفرعون من علية المسرح بخيوط ضعيفة لكنها قدرت على تحريك كم مليوني من الدمى. مسرحية تذكرنا كثيراً بما يغنيه عبد الحليم حافظ حيث ثلاثون مليوناً من أهل مصر يقفون عند يد عبد الناصر بانتظار الإشارة .. كما يزعم. تذكرنا أكثر، في خطوة فرعونية خطا بها الطاغية صدام صوب دولة الكويت على بساط خيط بألوف العقول التي بيعت له،
فلا يقول له أحد: توقف، إلى أين تظن أنك ماضٍ؟. تذكرنا أكثر من كل ما سبق، بالصروح التي بناها فراعنة هذا الزمان من فتاوى الأئمة المستأجرة لصالح هذا التفكير النفاقي الإيجابي، و التي تدعي كلما همت بعمل ٍ فرعوني أنها تصعد على صرح الفتاوي لعلها تبلغ الأسباب.. و ما ثمة أسباب إن هي إلا الأنياب تضرس عقل المؤمن حتى يبلع المرء عقله و ينفك من عقاله إلى بهيمية تأول بغير الصواب ما قيل لرب الأرباب : لا علم إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكرية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر