عبادة يستغربها العصر الحديث
كتبهاعمار الغريب ، في 7 تشرين الأول 2006 الساعة: 03:54 ص
من كتاب علل أدوية للشيخ محمد الغزالي
أظن الحضارة الحديثة تكره الصوم و تنكر فلسفته، فهي ـ بشقيها الغربي و الشرقي ـ تعبد الجسد، و تلبي رغباته، و تستغرب اعتراضها في انتهاب ملذاتها. ثم هي لا تمد البصر إلى أبعد من هذه الحياة الدنيا، فما بعد الموت وهم لا مساغ لتصديقه و لا للإعداد له، و يعني ذلك إشباع النهمة إلى هذه الحياة العاجلة، و انتهاز الفرصة الموجودة هنا لكي ننال كل شيء، إذ لا شيء بعد.
و قد صور القرآن الكريم هذا الإحساس المادي المغرق بقوله: ( فذرهم يأكلوا، و يتمتعوا، و يلههم الأمل، فسوف يعلمون). و التشبع من الحياة قبل أن ننتهي و ينتهي معها الوجود كله هو تفكير الجاحدين للإلوهية، المستبعدين لليوم الآخر، المعولين على أعمارهم فوق هذا التراب وحده. و ربما كان ذلك مسلكاً شاذاً أو نادراً بين الأقدمين، و لكنه الآن مسلك شائع بين جماهير من الضائقين للأديان سقيمها و سليمها. و هؤلاء يقيناً هم المعنيون بقوله سبحانه: (و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام، و النار مثوى لهم).
إن أحداً من هؤلاء لا يفرط في تناول طعامه، بل لا يفرط في تناول سيجارته من أجل ثواب يتخيل، إنه عبد يومه و حسب. و قد تتساءل: كيف يوصف أولئك " المثقفون" بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام مع أنهم يحسنون التفكير و الإنتاج؟ و الجواب أن الأكل عند هؤلاء مصدر الطاقة اللازمة للبدن و الرفاهة المطلوبة للحياة فهو غاية تقصد لذاتها، و لا يقبل إرجاءها أو انتظار بديل عنها في عالم الغيب، إن المتعة في هذه الدار وحدها، و ذاك ما شرحته آيات أخرى: ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، و بما كنتم تمرحون)، أو قول الله في تحديد الدائرة التي يحيا الكافر داخلها: ( إنه كان في أهله مسروراً، إن ظن أنه لن يحور، بلى إن ربه كان به بصيراً).
و شريعة الصيام لها محور آخر تدور عليه، و أشواق أخرى ترنو إليها، و هي تناقض مناقضة تامة قصة أن الحياة جسد لا روح، و دنيا لا آخرة، إننا نحن المسلمين نعتقد أن الوجود الإنساني طويل ذاهب في الطول، و أن الموت ليس نهاية له كما يتصور البعض، إننا بالأسلوب الذي نحيا به هنا نصنع المستوى الذي نحيا به هناك، فإذا عرفنا ربنا في هذه الأرض نضر الله وجوهنا يوم لقاءه، و كان لنا عنده مهاد صالح. أما عبيد التراب فالويل لهم، ( إن الذين كذبوا بآياتنا و استكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، و لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سنام الخيط، و كذلك نجزي المجرمين).
بيد أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح، فإن بعض المتدينين ظن ذكر الآخرة إضاعة للدنيا، و ظن ترجيح الروح توهيناً للجسد، و حسب أن التسامي الروحي و كسب نعيم الآخرة إنما يتمان على حساب عافية واهنة و دنيا غلبها الذبول! و الحق أن هذا جهل بالإسلام و ظلم لتعاليمه، فإن الدين لم يطلب أكثر من إحكام الرقابة على الغرائز البشرية حتى لا تطغى و تزيغ، و المرء إذا استجاب لكل رغبة، و سارع لكل شهوة فقد كرامته وأدبه لا محالة، و يعجبني قول الشاعر العربي:
نعم، فلا بد من ضبط النفس و كبت شهوات كثيرة تهدم و لا تبني،و تقعد و لا تقيم.. و هذا معنى الصوم، و أثره المنشود.
و لا شك أن قمة الكمال فيه أن يتم إيماناً و احتساباً، فإن الفضائل كلها تتهاوى و تفقد رصيدها السماوي عندما يقارنها الرياء أو الغش و نسيان الله. و الدين يضع الدنيا موضعها الصحيح، فلا يبخسها و لا يغالي فيها، لو كان عمر الآخرة عشرة أضعاف عمر الدنيا لوجب توزيع الاهتمام على شؤون الدنيا و الآخرة بهذه النسبة، فكيف و الآخرة أخلد و أجدى؟ و مع ذلك فإن الدين ما استهان بالدنيا، و إنما رفض الاغترار بها و التكاثر فيها و الاحتباس في مآربها، ( و الله عنده حسن العقاب).
فهل نفهم هذه الحقائق العالية من رمضان و من فريضة الصيام فيه و القيام في لياليه؟ إن سعاراً مادياً محرقاً يجتاح المدن و القرى ليباعد الناس عن ربهم، و على المؤمنين أن يطفئوا هذا السعار، و أن يحموا حقيقة الشهر المبارك، و أن يجعلوا من الصيام المفروض مجلىً للروحانية المقبلة على الله المؤملة في رضاه.
إذا أنت لم تترك طعاماً تحبه..و لا مقعداً تدعى إليه الولائد
تجللت عاراً لا يزال يشبه..سباب الرجال نثرهم و القصائد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مختارات | السمات:مختارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























